جامعة أم القرى
بسم الله الرحمن الرحيم
ارسل رسالة
 

  بسم الله الرحمن الرحيم

قراءة للخلاف في كتاب مجالس العلماء للزجاجيّ

      الزجّاجيّ هو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق ، اشتهر بالزجاجيّ نسبة إلى شيخه الزجّاج ، عاش في القرن الرابع ، و تتلمذ على عدد من العلماء أوردهم في مقدمة كتابه الإيضاح في علل النحو . [1]

      و الناظر فيمن عدد ممن أخذ عنهم يدرك مدى اطّلاع الزجّاجيّ على المذهبين : البصريِّ ، و الكوفيِّ ، فأبو بكر بن السراج تلميذ المبرد ، و الزجّاج شيخه بدأ كوفيًّا حيث نظر في النحو الكوفيّ ، و انقطع له ، و استكثر منه يقول : " حتى وقع لي أني لم أترك منه شيئا ، و أني قد استغنيت به عن غيره " [2] ، و لكنّه بعد محاورة المبرد يتجه إلى المذهب البصريّ يقول : " فقلت في نفسي هذا هو الحقُّ ، و ما سوى  ذلك باطل ، و انصرفت من عنده ثم بكرت إليه   كالمعتذر ، و لزمتُه " . [3]

      أمّا الكوفيون فيقول الزجّاجي عنهم : " و من علماء الكوفة الذين أخذت عنهم أبو الحسن بن كيسان ، و أبو بكر بن شقير ، و أبو بكر بن الخيّاط ؛ لأنّ هؤلاء قدوة أعلام في علم الكوفيين ، و كان أول اعتمادهم عليه ، ثم درسوا علم البصريين بعد ذلك ، فجمعوا بين العلمين " . [4] كما تتلمذ على أبي بكر بن الأنباري _ و اختصر كتابه  " الزّاهر " _ و أبي موسى الحامض تلميذ ثعلب .

      و لهذا يقول القفطيّ عن الزّجّاجيّ  : " و كانت طريقته في النحو متوسّطة " [5] ، وأمّا نسبته إلى البصريين ، و جعله من طبقاتهم [6] فمما يدل على غلبة النزعة البصرية عليه .

     و كتاب الزجّاجيّ  " مجالسُ العلماءِ " الذي هو موضوع القراءة كتابٌ سجل فيه عددا كبيرا من المحاورات ، و المناظرات رواية غالبًا ، أو نقلا ، فقد اشتمل على ستّةٍ و خمسين و مائةِ مجلسٍ دون مقدمة تكشف لنا منهج الزجّاجيّ ، و الحقّ أنّه لم يكن لهذه المجالس وجهة محددة لا في موضوعها ، و لا في   تأريخها ، و لا في نزعة من شارك فيها ، و لا في منازعهم .

       أمّا في الموضوع فقد جمعت بين النحو ، و الصرف ، و اللغة ، و الشعر و معانيه و   روايته ، و القــراءات ، و ما ليس له علاقـة بما سبق كحـكم النبيذ [7]، أو تفضيل شاعر [8]، أو المفاخرة    بمضر [9] ، أو التنافر بين أعرابيٍّ ، و أعجميّ . [10]

      و أمّا في التأريخ فقد جمعت محاورات ، و مناظرات جرت بين متقدّمين و متأخرين بدأً من عبد الله بن إسحاق الحضرميّ ( 117هـ ) ، و عيسى بن عمر ( 149هـ ) ، و أبي عمر بن العلاء ( 154هـ ) مرورا بالخليل ( 175هـ ) ، و يونس بن حبيب    ( 182هـ ) ، و سيبويـه ( 188هـ ) ، و الكسائـيّ ( 189هـ ) ، و اليزيـدي        ( 202هـ ) ، و النضر بن شميل ( 204هـ ) ، و الفراء ( 207 هـ ) ، و الأصمعيّ ( 216هـ ) ، والرّياشيّ ( 257هـ ) ، والمبرد ( 285هـ ) ، و ثعلب ( 291هـ ) ، و انتهاء بالزجاج شيخه ( 311هـ ) .

      و أمّا في النـزعة فقد جمعت بين بصريين ، و كوفيين ، أو بصريين ، و كوفيين فيما   بينهم .

      و أمّا في المنازع فقد جمعت بين نحاة ، و لغويين ، و شعراءَ ، و بعضُ من كان طرفا في المجلس أعرابيٌّ كأبي خيرة [11]، و أبي الدينار [12]، و أبي العميثل [13]، أو قارئٌ كالأعمش [14]، و هارون  

القارئ [15]، أو فقيه كأبي حنيفة [16]، و أبي يوسف [17]، أو مجهول كرجل من بني عبس [18]، أو من أهل العلم [19]، أو أهل المدينة [20]، أو من مضر [21]، أو أعرابيّ [22] ، بل لربما دار المجلس بين شاعرين كذي الرُّمَّةِ و رؤبة بن العجّاج [23]، و نصيب و الكميت [24] ، أو بين مُتَكلِّمَين كالجاحظ و المرِّيسـيّ [25]، أو قارئين كالذّماريّ و يزيد بن أبي مالـك . [26]  الخلاف النحويّ من خلال كتاب مجالس العلماء :

      قبل شروعي في قراءة كتاب مجالس العلماء قراءة كاملة تصفّحت شيئا مما كُتب عن المحاورات ، و المناظرات ، كما وقفت على ترجمة مفصّلة للزجَّاجيّ ، و سرحت النظر فيما في مكتبتي من كتبه لعلي بذلك أنْ أخرج من كتاب مجالس العلماء بصورة واضحة شاملة عن الخلاف النحويّ في إطار محورين :

     الأول : الخلاف عند الزّجّاجيّ : أسسه ، و أدلته ، و المنحى الذي سار فيه .

     والثاني : الخلاف بين البصريين ، و الكوفيين .

     فما وجدته عن الأول يكاد يكون سَرَابًا بِقِيَعَةٍ {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً } ، و لم يكن الثاني إلا ثرًى ترى فيه أثر الماء دون حقيقته إلا من قطرات لا يُبلُّ بها صدًى ، و لا يُروى منها غليل .

     أمّا ما يتعلّق بالمؤلف فإنّه لم يكن يسفر لنا عن وجهه الزّجّاجيّ ، أو فكره النحويّ ؛ إذ لم يكن طرفًا في أيِّ مجلس من تلك المجالس ، و إنّما كان يسجلها بقلمه رواية ، أو نقلا ، و كلمّا انتهى مشهدُ مجلس منها أرخى الستار ليرفعه عن آخر ، و نادرا ما يعقِّب إلا في ثمانية مواضع تقريبا :

  1_ في آخر المجلس الثامن و الخمسين يورد رأي أبي زيد في تذكير الإزار و تأنيثه .

  2_ في المجلس الثامن و الستّين يشير إلى عدم جواز إعراب " أحد " صفة لـ " الله " في قوله تعالى : { قل هو الله أحد } ؛ لأنّ النكرة لا تكون وصفًا للمعرفة ، ثم يُنظِّر لما ورد في هذا المجلس .

  3_ في المجلس السابع عشر بعد المائة يعلل لقولهم : ثلاثمائة ، و ثلاثة آلاف بإفراد المميز في الأول ، و جمعه في الثاني بأنّ ثلاثمائة ضارعت عشرين ، و ثلاثين في تعشيرهما من غير لفظهما فتعشير الأول ألف ، و الثاني مائة فتشابها في التمييز بالمفرد ، بينما تعشير ثلاثة آلاف عشرة آلاف ، ثم يأتي بعد ذلك بما لا ينتظمه موضوع .

  4_ و يختم المجلس الثالث و الثلاثين بعد المائة بأن المسألة مبنية على الفساد و المغالطة ، و أنّ قول الكسائيّ : " إنّ مِن خيرِ القومِ و أفضلِهم أو خيرُهم زيدا " غيرُ مرضيٍّ عند أحد ؛ لأنّه قدّم خبر " إنّ " ، و أخّر اسمَها ، و أنّ جواب اليزيديّ : " إنّ من خيرِ القومِ و أفضلِهم أو خيرَهم زيدُ " غيرُ جائزٍ عندنا ؛ لأنّه أضمر " إنّ " و أعملها ، و ليس من قوّتها أنْ تعمل مضمرة ، و الصواب عنده " إنّ من خيرِ القومِ  و أفضلِهم أو خيرُهم زيدٌ " بإضمار اسم " إنّ " فيها ، و ما بعد " أو " مستأنفٌ .

  5_ في المجلس الخامس و الثلاثين بعد المائة يشبر إلى اختيار الزّجّاج " مُهَيِّن " في تصغير  " مُهْوَأنّا " ، ثم يقول : " القياس عندي فيه أنْ يقال : " هُوَيِّن " ، كما قيل في تصغير   " مقشعر " : قُشيْعِر ، و في " مُطْمئن " : طُمَيْئن " ، فلا يناقش اختيار الزجّـاج ، و لا يلقي مزيدا من الإيضاح على اختياره .

  6_ و في المجلس الثامن و الثلاثين بعد المائة يكتفي بالتعليق على تغليط سيبويه ليونس في جعل " أيٍّ " معلقةً لـ " لَنَنْـزِعَنّ " بقوله : " و هو كما قال " ، ثم يذكر أقوالا أخرى في توجه الآية جاعلا قولَ سيبويه ، و أحدَ أقوال الفراء أجودَها دون تفسير .

  7_  و يختم المجلس الرابع و الأربعين بعد المائة بما لا صلة له به ، فيشير إلى عدم جواز العطف على الضمير المتصل المخفوض بما يُشعر أنّ ذلك مقحم .

  8_ و يختم المجلس السابع و الأربعين بعد المائة بالحديث عمّا نُقص منه ( يد ، و فم ،  دم ) ، ثم ( أب ، و أخ ) مستطردًا في ذكر استعمال العرب لهما ، و توجيه ذلك .

     و يمكن أنْ نتلمّس بعض أدلّته في الاحتجاج :

  1_ الاحتجاج بإجماع النحاة .

  2_ ردّ القراءات التي تتضمن الشاذّ كقراءة حمزة { و اتقوا الله الذي تساءلـون به و الأرحامِ } موافقا البصريين بأنّ ذلك لا يجوز البتّةَ إلا في ضرورة الشعر ، و يجوِّز تكرار " إنّ " ؛ لوروده في القرآن ، و الفصيح من الكلام  [27] ، و هو بهذا ينتهج نهج البصريين في التقعيد على الكثير ، و تأويل القليل . 

  3_ أنّ من العوامل ما هو ضعيف كالعامل بالشبه ، فلا يُتصـرَّف فيه ، و لا يعمل مضمرا كما مرّّ في  " إنّ " .

 الخلاف النحويّ بين البصريين ، و الكوفيين :

     من المعلوم أنَّ المجالس ، و ما يدور فيها من محاورات ، و مناظرات هي الأقدر على إبراز الخلاف النحويّ ، و كشفِ جوانبه ، و الوقوف على أسسه ، و جمعِ أدلّته ، بخلاف ما إذا تناول مسائله عالم يتكلّم على لسان الفريقين ، فإنها لابد أن تتلون و لو بشيء يسير من فكره ، و يُخلع عليها من لفظه كما جاء عن الزجاجيّ في الإيضاح ، و من بعده ابن الأنباري في الإنصاف ، و هذا ابن الأنباريّ يتحيّز للبصريين في كلّ مسائل الإنصاف إلا قليلا .

    و إذا أمعنا النظر في مجالس العلماء فإننا لا يمكن أنْ نخرج بصورة متكاملـة عـن الخلاف النحويّ ؛ لأننا لا نجد ذلك النقاش الحادّ الذي يقارع فيه الدليلُ الدليلَ ، و تطاول الحُجّةُ الحجّةَ ، و تحشد له أدلة الصناعة النحوية من السماع بمصادره ، و القياس بعلله ، و ذلك للأسباب الآتية :

  1_ اختلاف المنازع فالأصمعيّ كان طرفا في عشرين مجلسا ، و هو و إنْ كان كما قال الرشيد : " يا أصمعيّ ما تُطاق في الشعر " [28]، فهو لا يفرق بين الخفض ، و الجرّ ، يقول بعدما سأله الخليل ففكر ، و أبطأ :" الخفض عندي الشيءُ دون الشيءِ كاليدِ إذا جعلتها تحت  الرجل ، و الجرُّ أنْ تُميلَ الشيءَ إلى الشيءِ " [29]، فهو لغويٌّ راوية يتمسك بالرواية، و لذا يوجب الرفع في " رئمانُ أنفٍ " ، بينما يجيز الكسائيّ من خلال الصناعة النحويّة الرفعَ ، و النصبَ ، و الجرَّ . [30]

     و هذا الرياشي يحاور ثعلب الذي أتاه ليكتب عنه فيظهر قِصر باعه في النحو فيقول : " أنا تارك العربيّة فاقصد لما أتيت له " . [31]

     فإذا وُضع في قائمتهما من لم يتمكن من النحو ، أو من غلبت عليه الرواية كالمفضل [32]، و أبي  عمر الشيباني [33]، و أبي عبيدة [34]، و ابن الأعرابيّ [35]، و الأثرم علي بن المغيرة [36] ، أو الأعراب [37]، و الشعراء [38]، و غيرهم  [39] كان كثيرا من تلك المجالس مطّرحا .

  2_ كثير من المجالس التي أوردها الزّجّاجيّ تدور حول ما لا علاقة له بالنحو ، كالشعر و روايته ، و معانيه [40]، أو مسائلَ لغوية [41]، أو آيةٍ قرآنية:معناها ، و ما قرئت به [42]، وربما جاء فيها ما لا صلة له بالعربية أصلا . [43]

  3_ بعض تلك المجالس لم يأخذ بعده الجدليّ إمّا لأنّ أحد المتحاورَينِ إنّما سأل عما يجهله ، فيسلّم بما يقول المسئول [44] ، و بعض تلك المجالس طُويَ فيها ذكر المسائل ، ولم يصرح بها [45]، و كان للودّ الذي يجمع بين المتحاورين أثره [46]خاصة إذا كان بحضرة ذي سلطة ممن كان له دور في توجيه الحوار ؛ إذ قد يخالف العالم رأيه استرضاء له .  [47]

     على أنّ الخلاف الذي دار بين البصريين ، و الكوفيين إنّما كان منطلقا من اختلاف الأسس التي قام عليها المذهبان ، و إذا نظرنا في كتاب مجالس العلماء خاصة في تلك المجالس التي اتضح فيها الخلاف ،و دار فيها النقاش فإننا نجد تلك الأسس واضحة جليّة :

     فالسماع عند البصريين لا يؤخذ إلا ممن يوثق به زمانا و مكانا ، فهذا أبو عمرو يحدد أبا المهديّ الحجازيّ ، و المنتجع التميميّ ليسألا عن قول العرب : " ليس الطيب إلا المسك " [48] ، فلم يقبلوا بمجهول يقول المازنيّ عن بيت أنشده الفراء من قبل: " لمن هذا ؟ و من صاحبه ؟ ما أراه إلا أُخرج من الكمّ ، و أين هذا من قول أبي ذؤيب " [49] ، و يحتجّ أبو حاتم السجستانيّ على الأصمعيّ ببيت يقدّم له بقولـه : " أُوجـدك التأنيث _ أيْ في إزار _ في شعـر من لا يُنـكر صاحبه " ، ثم يورد بيتا لأبي     ذؤيب . [50]

      حتى إذا استوثقوا مما جمعوا أصبحت قواعدهم مقياسا لفصاحة من يؤخذ عنه حتى في اللغة التي لا يحدها سماع ، و لا يضبطها قياس ، يقول أبو عمرو : " لان جلدك يا أبا خيرة "مع أنّ المبرد يذكر أنّ تلك لغة لم تبلغه [51] ، و يردّ الأصمعي شعر الكميت بدعوى أنّه ليس حجة [52] ، و شعرَ ذي الرّمّة ؛ " لأنّه طالما أكل المالح ، و البقل في حوانيـت البقّالين " . [53]

      أمّا الكوفيون فلم يتحرّوا ذلك غالبا حتى أنّ الكسائيّ يخرج إلى ظاهر الكوفة ليأخذ عن قبائلها ، و يكتب عنهم . [54]

      ثمّ إنّ البصريين وقفوا من المسموع موقف القبول إنْ كان كثيرا شائعا كتمسُّك سيبويه بالرفع في " فإذا هو هي " [55] ، و إنكار الأصمعيِّ لـ "زوجة " ؛ " لأنه كان مولعا بأجود اللغات ، و ردِّ ما ليس بالقويّ " . [56]

       فإنْ شذّ لحّنـوا صاحبـه ، أو ردُّوه للجهـل به كما مـر آنفا ، أو جعلوه ضرورة [57] ، أو تأوَّلوه . [58]

     و بما أ،ّ النحو سماع يتبعه قياس فقد صحّ قياس البصريين لمّا صحت مقدّمته ، و اضطرب قياس الكوفيين .

      و سأعرض _ باختصار _ مجلسين يوضِّحان ما قدمته أدقّ توضيح : أحدهما يتعلّق   بالنحو ، و الآخر : جمع بين اللغة ، و الصرف ؛ ليظهر أنّ ما سبق من مذهب الفريقين منهجٌ شاملٌ ينتظم النظر في علوم العربيّة كلِّها .

               المجلس الثامن و الأربعون

                      بين المازنيّ و ثعلب ( حول خبر " لا " ) [59]

      قال المازنيّ : لا يجوز " لا رجلَ زيدٌ " البتّة لا على التكرير ، و لا على الإفراد ؛ لأنّ    " لا " إذا لم يكن شيئًا بعينه لم يكن خبرُه شيئًا بعينه . قال ثعلب : لا رجلَ أفضلُ منك ، أ ليس هو شيئًا معروفًا بعينه ؟ قال : لا ؛ لأنّ " أفضل منك " صفةٌ للخُلُق . قال ثعلب : قال الأخفش و رواه روايةً : لا موضعَ صدقةٍ أنت . قال : هو عندي ظرفٌ كأنه قال : لا أنت في موضع صدقة ، و لم يكرر لأنه مثلٌ ، و المثل يجيء على خلاف الباب ، ومثله قوله : " أساء سمعا فأساء جابة " ، و في الكلام تقول : أجاب إجابة ، و جابة ، و جوابا ، و لا يجوز في المثل إلا ما حُكيَ ، فلا تقول : لا فتى هيجاء أنت . قال ثعلب فتقول :

                              لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتًى إلا عليّ 

أ      ليس " ذو الفقار ، و عليّ " معرفة ؟ فقال المازنيّ : معناه : لا سيف موجودٌ إلا ذو الفقار ، و لا فتى موجود إلا عليّ ، العرب قد توسّعت في إضمار الظرف في النفي ، ألا ترى أنّك تقول : لا بأس ، و لا  ضير . قال ثعلب : فما تقول في قول الشاعر :

                     لا ذَرَى هو أَذْرَى من جفانهمُ      مثلُ الجوابِ على عاديّ أعدادِ

     قال : " هو أذرى " جملة ، و الجملة تقع صفة للنكرة  ، فلمّا وقعت صفة للنكرة وقعت خبرا لها .

التعليـق : الخلاف كما هو ظاهر حول خبر " لا " النافية للجنس ، فالبصريّون يمثلهم المازنيّ يوجبون تنكير خبرها ؛ ليتشاكلا في الدلالة على العموم ، و يفهم من مناقشة ثعلب _ و إن لم يصرّح _ جواز و قوعه معرفة ، و يتمسّك برواية الأخفش " لا موضعَ صدقةٍ أنت " مع شذوذها ، فيقبلها المازني ثقة بالأخفش ، و لكنّه يأوِّلها ، ثم يجعلها مثلا يُحكى ، و لا يقاس عليه فلا يقال : لا فتى هيجاء أنت ، كما تأوّل قوله : " لا سيف ... البيت ، و ردّ البيت الذي بعده بأنّ الجملة في حكم النكرة ، فلا شاهد .

     المجلس الخامس و الخمسون

      بين المبرد و ثعلب [60]

        سأل محمد بن عبد الله بن طاهر بعد أنّ استقر المجلس ثعلبَ و المبردَ عن قوله تعالى : { إنّا بُرآءُ منكم } كم فيه من لغة ؟ فقال المبرد : بُرَآء ، و بِراء . قال ثعلب : و بُراءُ ، أيّها الأمير . قال المبرد : سله أيّها الأمير من أين ؟ فسأله ، فقال : حدّثني سلمة عن الفرّاء أنّه سمع أعرابيّة تقول : ألا في السّوَةِ أنتنّه . قال المبرد : لا يَنسخ القرآنَ إلا مثلُه ، و لا الإجماعَ إلا مثلُه ... لا يُترك كتابُ الله ، و إجماعُ العربِ لقولِ أعرابيّة رعناء .

        قال : فخبِّراني عن " توراة " ما وزنها ؟ قال ثعلب : تَفْعَلَة . قال المبرد ليس في كلام العرب تفْعَلة إلا قليل نحو " تتْفَلة " ، و وزنها فوعلة ، و أصله " وَوْرَيَة ، ثم بيّن ما حدث لها .

      قال: فخبِّراني عن " سماء " ما أصلُ ألفِها ؟ قال المبرد : أصلُها " سماو " بدليل سماوة ، و سماوات . قال فأنشدني في هذا بيتا ، فأنشده :

                       و أهتمَ سيّارٍ مع القومِ لم يدعْ     تعرُّضُ آفاقِ السماوِ لهُ ثغرا

        قال : فخبِّراني عن " ضحى " ما وزنها ؟ قال ثعلب : على مثال " بُشْرى " . فقـال   المبرد : بُشْرى : فُعْلى ، و ضُحى : فُعَل على مثال : هُدًى .

       قال : فخبِّراني عن همزةِ بين بين ساكنةٌ أم متحرِّكةٌ ؟ قال ثعلب : لا ساكنة ، و لا  متحرّكةٌ . قال المبرد: قوله : لا ساكنةٌ ، قد أقرّ أنّها متحركة ، و قوله : و لا متحركةٌ ،  قد أقرّ أنها ساكنة ،فهي ساكنة لا ساكنة متحركةٌ لا متحرّكةٌ ! قال :لم سمِّيت بين بين ؟ قال المبرد : لأنّها إذا خُفِّفت جُعلت بين الهمزةِ ، و بين ما منه حركتُها .

      فقال محمد بن عبد الله مخاطبا المبرد ، مظهرا إعجابه : فكيف قُرنتم إلى هؤلاء ؟ نعم العلمُ علمُكم ! ألا إنّك لم تجعل لأحد فضيلةً . فقال المبرد : لا أتقلّد مقالة متى لزمتْني حُجة ، و لربّما روّأت في الحرف سنة لتصحَّ لي حقيقتُه .

     التعليـق : تضمّن هذا المجلس عددا من المسائل اللغوية ، و الصرفيّة ، ففي " بُرآء " يكتفي المبرد بالمسموع ، و يطلب من ثعلبٍ دليلا على " بُراء " ، فيستدلُّ بما حكاه الفرّاء من قول أعرابيّة : ألا في السّوَة أنتنّه " ، و يفهم أنّ ما قاله ثعلب قياس لا سماع ، و هو قياس على الشاذّ كما هو مذهب الكوفيين ، و لذلك قال المبرد : لا يُترك كتاب الله ، و إجماع العرب لقول أعرابيّة رعناء .

     و في وزن " توراة " يجعلها المبرد على " فوعلة " ، و هو وزن كثير شائع ، و يرفض حملها على   " تَفْعَلة " مع أنّه أقرب مأخذا ؛ لأنّه وزن قليل في كلام العرب .

     و في " سماء " يرى أنّ الأصل " سماو " مستدلا بالقياس في سماوة ، و سماوات ، و السماع بما أنشد بعده ، و يبدو أنّ ثعلب لا يخالفه في ذلك .

     و في همزة بين بين يظهر أثرُ الجدلِ المنطقيّ ، ثم يُختم المجلس بما يفيد تمسكَ البصريين   الدليل ، و تروِّيهم في التقعيد .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

[1]  انظر صفحة 79 .

[2]  مجالس العلماء 125 .

[3]  المصدر السابق 127 .

[4]  الإيضاح في علل النحو 79 .

[5]  إنباه الرواة 2/ 160 .

[6]  طبقات الزبيديّ 119 .

[7]  المجلس رقم 85 .

[8]  المجلس رقم 129 .

[9]  المجلس رقم 108 .

[10]  المجلس رقم  112 .

[11]  المجلس رقم 2 ، 3 .

[12]  المجلس رقم 125 .

[13]  المجلس رقم 153 .

[14]  المجلس رقم 83 ، 111 .

[15]  المجلس رقم 128 .

[16]  المجلس رقم110 .

[17]  المجلس رقم 100 ، 121 ، 152 .

[18]  المجلس رقم 72 .

[19]  المجلس رقم 82 .

[20]  المجلس رقم91 .

[21]  المجلس رقم108 .

[22]  المجلس رقم123 .

[23]  المجلس رقم 74 .

[24]  المجلس رقم 87 .

[25]  المجلس رقم 73 .

[26]  المجلس رقم 107 .

[27]  انظر صفحة 223 .

[28]  مجالس العلماء 257 .

[29]  المصدر السابق 193 ، و انظر أيضا صفحة 58 . و 102 . .

[30]  المصدر السابق 35 .

[31]  المصدر السابق 48 .

[32]  المجلس رقم 7 ، 16 .

[33]  المجلس رقم 9 .

[34]  المجلس رقم 22 .

[35]  المجلس رقم 8 ، 45 ، 81 .

[36]  المجلس رقم20 .

[37] المجلس رقم 2 ، 3 ، 123 ، 125 ، 153 .

[38] المجلس رقم 12 ، 13 ، 72 ، 74 ، 87 ، 94 ، 98 ، 103 .

[39] المجلس رقم 23 ، 36 ، 69 ، 77 ، 83 ، 88 ، 90 ، 92 ، 96 ، 110 ، 115 ، 155 .

[40]  من ذلك مثلا المجلس رقم 6 ، 8 ، 9 ، 11 ، 12 ، 13 ، 14 ، 15 ، 16 ، 19 ، 20 ، ... ،و هي كثيرة جدا      تقارب الأربعين مجلسا .

[41]  من ذلك مثلا المجلس رقم 2 ، 3 ، 7 ، 37 ، 41 ، 42 ، ... .

[42]  من ذلك مثلا المجلس رقم 29 ، 107 .، 113 .

[43]  من ذلك مثلا المجلس رقم5 ، 100 ز 102 ، 108 .

[44]  من ذلك مثلا المجلس رقم 44 ، 64 ، 66 .

[45]  من ذلك مثلا المجلس رقم 47 ، 82 ، 101 ، 109 .

[46]  المجلس رقم 137 .

[47]  المجلس رقم 23 ، 113 .

[48]  مجالس العلماء 3 .

[49] المصدر السابق 101 .

[50]  المصدر السابق 102 .

[51]  المصدر السابق 6 ، و انظر أيضا 8 .

[52]  المصدر السابق 109 .

[53]  المصدر السابق150 .

[54]  المصدر السابق 203 .

[55]  المصدر السابق 10 .

[56]  المصدر السابق150 .

[57]  المصدر السابق 245 ، 246 .

[58]  المصدر السابق 102 .

[59]  المصدر السابق 82 ، 83 .

[60]  المصدر السابق 94 – 97 ، و قد تضمّن عددا من المسائل اللغوية ، و الصرفيّة اقتصرت على بعضها مختصرا .