جامعة أم القرى
بسم الله الرحمن الرحيم
ارسل رسالة
 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

        الحمد لله ربِّ العالمين على ما أنعم وتفضَّلَ ،وأعطى فأجزلَ ، أحمدُهُ حمداً يليقُ بكريمِ وجهِهِ، وعظيمِ سلطانهِ ، والصلاةُ والسلامُ على من بُعِثَ للعالمين رحمةً ، هاديًا ، ومبشرًا ، ونذيرًا )وَدَاعياً إِلَى اللهِ بإذْنِهِ وسِرَاجًا مُنِيرًا (  .

        أما بعدُ فما زالتْ جهودُ العلماءِ تترادفُ حتى غدت علوم العربية صرحًا شامخًا ، طمَّاحَ الذؤابةِ باذخًا ، فكم من كتابٍ ضمَّنُوهُ زُبْدَةَ أفكارِهم ، ومؤلفاتٍ احتسبوا فيها نضير أعمارِهم ، فخلَّفُوا لنا لسان صدقٍ على جدِّهم ، هذا على قِلَّةِ ما سَلِمَ من يد الزمان العابثة ، والأعداءِ العائثة ، ولعل من أشهر تلك المؤلفات المفصَّل في صنعةِ الإعراب لجار الله الزمخشريِّ .

        وكم كان سروري عظيمًا حينما أرشدني أستاذي وشيخي الأستاذ الدكتور/ محسنُ العُمَيْرِيُّ – حفظه الله – إلى أحد شروحِهِ ، وهو المقتبس في توضيح ما التبس للإمام أبي عاصم فخر الدين عليِّ بن عمرَ الفقيهيِّ الإسفندريِّ ،وكان قد سُجِّلَ جزءٌ منه بإشرافه لأخي الأستاذ/ مطيع الله السلمي رسالةً لنيل الدكتوراه ، ومن قبله انتهى الدكتور سعد الرشيد من تحقيق جزء من أوله ، ونال به درجة الدكتوراه بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، فلهؤلاء أقدم جزيل الشكر .

        وبعد اطِّلاعي على كتاب المقتبس ، وإمعان النظر فيه تبيَّن لي أهميةُ هذا الكتاب ، وقيمته العلمية ، وتظهرُ هذه الأهميةُ مما يلي :

أولا :  شهرةُ الزمخشريِّ وكتابِه المفصَّلِ في صنعة الإعراب ، والمقتبس للإسفندريِّ شرح له .

ثانيًا :  المقتبس في توضيح ما التبس من أوسع كتب الإسفندري ، وآخرِها تصنيفًا ، وفيه تتضح شخصيته ، ففي تحقيقه إبرازٌ لملامح تلك الشخصيَّةِ .

ثالثًا :    تنوع مادة الكتاب العلمية ، ففيه عدا الجوانب النحوية ، والصرفية ،واللغوية اهتمام خاصٌ بالشواهد الشعرية حتى أن البغدادي في كتابه الخزانة ينقل عنه في سبعة مواضع أقوالاً تتعلَّق بالشواهد الشعرية .

رابعًا :   تعدد الكتب التي اعتمد عليها الإسفندري ، ونقل عنها ، فتضمَّن بذلك كتابُ المقتبس نصوصًا من كتبٍ لم تصل إلينا ، فالشرق الإسلامي عامة ، وإقليم خوارزم وما جاورها خاصة قد تعرض في القرن السابع لمحنة زحف التتار الهمجية ، مما أدى إلى ضياع الكثير من المؤلفات .

خامسًا:  الإسفندري قريب الزمان والمكان من الزمخشري ، فقد تلقَّى المفصل سماعًا بطريقين إليه ،ونقل عن تلامذة الزمخشري ،وتتلمذ على تلامذتهم ، واعتمد كثيرًا على كتب الزمخشري في شرحه ، كلُّ ذلك يجعل لكتابه المقتبس مكانة عظيمة .

سادساً : خدمةِ تراث أمتنا الخالد ، ففي تحقيق كتاب المقتبس تجليةٌ لوجه الحضارة الإسلامية المُشرِق ، ومشاركةٌ في استكمال ملامح الدراسة النحوية في المَشْرِق خاصَّة في إقليم خوارزم وما جاورها .

     كلُّ ذلك وغيره دفعني إلى اختيار جزءٍ من هذا الكتاب دراسة وتحقيقًا مجالاً لبحثي ، وقد شمل هذا الجزء قسمي الأفعال والحروف ، ويبدأ من ورقة رقم64/أ من المجلد الثاني وينتهي بنهاية ورقة رقم 173/ب من المجلد نفسه ، فجاء عنوان البحث كالآتي : كتاب المقتبس في توضيح ما التبس" (شرح للمفصل ) لأبي عاصم فخر الدين علي بن عمر الفقيهي الإسفندري من أول قسم الأفعال إلى نهاية قسم الحروف ، دراسة وتحقيق .

     وقد اقتضى البحث أن يكون في قسمين رئيسين تسبقهما مقدمة وتمهيد ، وتتبعهما الفهارس الفنيَّة اللازمة لمتن الكتاب ا لمحقق ، فجاءت الخطة على النحو التالي :

    المقدمة  : وفيها تحدثت عن أهمية كتاب المقتبس في توضيح ما التبس ، تلك الأهمية التي كانت سبَبًا لاختياره موضوعًا للبحث .

    التمهيد : وفيه ترجمت ترجمة موجزة للإسفندري ، وذلك لأن زميليِّ محققيْ المجلد الأول كفياني مؤونة التوسع في ذلك .

    القسم الأول : وهو قسم الدراسة ، وقد تناولت فيه- من خلال الجزء الذي حققته -  المباحث الآتية :

      المبحث الأول : منهج الإسفندري وأسلوبه في عرض المباحث النحوية .

      المبحث الثاني :موقفه من أدلة الصناعة :

         -  السماع ( القرآن ، الأثر ، كلام العرب  شعرًا ونثرًا ) .

         - القياس .

         - الإجماع .

         - استصحاب الحال .

      المبحث الثالث : مصطلحاته .

      المبحث الرابع  : أصوله النحويَّة .

      المبحث الخامس : آراؤه ، وقد قسمته إلى ما يأتي:

         - الآراء التي وافق فيها البصريين أو جمهورهم .

        - الآراء التي وافق فيها الكوفيين أوجمهورهم .

         - الآراء التي وافق  فيها بعض النحاة السابقين .

         - الآراء التي تفرد بها .

       المبحث السادس :مذهبه النحوي .

       المبحث السابع :اعتراضاته على النحاة .

      المبحث الثامن : الإيضاح لابن الحاجب ، والمقتبس للإسفندري ، موازنة ونقد .

    القسم الثاني :  قسم التحقيق وقد اشتمل على :

        أولا : مقدمة التحقيق ،  وفيها :

                أ – وصف النسخ .

               ب – منهج التحقيق .

        ثانيا : النص المحقق .

       وإنني أتقدم بالشكر لله – من قبلُ ومن بعدُ – على مايسَّر لي من عقبات هذا البحث،وأنهج لي من سُبُلِهِ ، ثم لوالديَّ أمدَّ الله في عمرهما،وأحسن إليَّ بحسن بِرِّهما ،ولكلِّ من تعلمت على يده ، واشترت من فكره ،واهتديت بسراج نصحه ، وأخصُّ منهم أستاذي ومشرفي فضيلة الأستاذ الدكتور / محسن بن سالم العميري – حفظه ا لله – الذي تعهدني بنصحه ، فكان لآرائه القيمة ، وتوجيهاته السديدة الفضلُ بعد الله في ظهور البحث بهذه الصورة .

    كما أتقدم بالشكر لجامعة أم القرى ممثلةً في معالي مديرها الموقر ، ولكلية اللغة العربية في شخص عميدها المكرم ، ولرئيس قسم الدراسات العليا المبجَّل.

    كما لايفوتني أنْ أتقدَّم سلفًا بخالص الشكر لمن سيناقش هذا البحث من أساتذتي الأجلاء.

    وأخيرا أسأل الله أن يجعل عملي خالصا لوجهه ، وأنْ ينفع به ،ويجعله في ميزان حسنات كلِّ عالمٍ صحيح المعتقد من علمائنا المتقدمين والمتأخرين ، إنَّه سبحانه يجزي بالكثير عن   القليل ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

                                                                         الباحث

                                                               عبدالله بن محمد اللحياني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

التعريف بالإسفندريّ

       لا تكاد تمدُّنا كتب التراجم بما يشفي غليلاً ، أو يبلُ صدًى عن الإسفندري ، فلا يزال كثير من صفحات حياته مطويًّا. وقد بذل الدكتور سعد الرشيد جهدًا مشكورًا في التقاط ما يلقي الضوء على جوانب يسيرة من ترجمته . (1)

       اسمه وعصره :

        هو : أبو عاصم فخر الدين علي بن عمر بن الجليل (2) بن علي الفقيهي الإِسْفَنْدَرِيّ (3) نسبة إلى " إسْفَنْدَرِيَّة " وهي قرية من أكبر قرى خوارزم .(4)

        ولد الإسفندريّ سنة إحدي وعشرين وستِّمائة ، وتوفي في الضحوه الصغرى يوم الأربعاء التاسع عشر من رجب سنة ثمانٍ وتسعين وستِّمائة وعاش سبعة وسبعين سنة " (5) . ولقد عاش الإسفندريّ  في عصر – وهو القرن السابع – مليء بالفتن والاضطرابات ، ولعل من أشهرها اجتياح التتار للشرق الإسلامي .

     شيوخه وتلاميذه :(6)

        أمَّا عن شيوخه الذين تلقى عنهم – ومصدرنا في ذلك كتابه المقتبس الذي أشار فيه إلى سماعه منهم وأخذه عنهم – فهم :

            1- سيف الدين عبدالله بن محمود بن أبي سعيد الرَّوزناني الخوارزمي .(7)

            2 ـ نجم الدين أبوالرجاء  مختار بن محمود بن محمد الزاهدي الغرميني .(8)

            3 - نجم الدين الصلاحي .(9) 

            4- تاج الدين العلوي .(10)

            5- تاج الدين الكاثي .(11)

      وأما تلامذته فهم :

           1- حسام الدين الحسين بن علي بن الحجَّاج بن علي السغناقي .(12)

           2- مسعود بن مظفر بن مؤيد. (13)

     آثاره :

     ترك الإسفندري عددًا من ا لمؤلفات ،وقد أشار إليها في كتابه المقتبس ، وهذه المؤلفات هي:

           1- نظم مصباح المطرزي . (14)

           2- حواشي المفصل ، وقد نقل عنه في المقتبس ورمز له بعلامة (حم) (15) .

           3- المقتبس في توضيح ما التبس (16)  وهو هذا الكتاب الذي قمت بتحقيق جزء منه.

ب – منهج التحقيق

       حرصاً مني على إخراج الجزء الذي أقوم بتحقيقه من كتاب المقتبس في توضيح ما التبس بصورة هي أقرب ماتكون مما أراده المؤلف رأيت أنْ أتبع المنهج الآتي

1 – نسخت الكتاب من نسخة ( ج ) التي اتخذتها أصلاً مراعياً في ذلك قواعد الإملاء ، وعلامات الترقيم ، والضبط غالباً ، ثم قابلته بما في نسخة( ع 

 2 -  رمزت للوجه الأيمن من كل ورقة من (ج ) بالرمز " أ " ، وللوجه الأيسر بالرمز "ب"،  وقد وضعت خطًّا مائلاً – عند نهاية كل وجه وبداية آخر – متبوعاً برقم الصفحة بين قوسين معقوفين

3 - حرَّرتُ النصَّ من التحريف والتصحيف ، والزيادة ، والسقط مثبتاً الصواب ، وواضعاً ماسقط من النص مما هو من مصادر المؤلف ، أو مما يستقيم به السياق بين قوسين معقوفتين، وأشرت إلى ذلك  

 4 -اعتمدت على نسخة ( ع ) في إثبات نصِّ المفصَّل مقابلاً له بالجزء ا لمذكور منه في ( ج) ،

وبما جاء في المطبوع ووضعته بين علامتي تنصيص ،وميزته عن الشرح .

5 - أضفت عنواناً لكل بابٍ من أبواب الكتاب مما قمت بتحقيقه ، و وضعته بين قوسين معقوفين ؛ ليسهل الرجوع إلى أبواب الكتاب 

6 - خرَّجت الآيات القرآنية الكريمة وذلك بعزوها إلى سورها، وذكر رقم السورة ثم رقم الآية مكتفياً بالإشارة إلى الموضع الأول مما تكرر وروده في القرآن ما لم يرتبط بذلك نصٌّ أو نقل    .

7 - خرجت القراءات القرآنية من كتب القراءات ، والتفسير ، وإعراب القرآن مسندةً إلى من نسبت إليه ما أمكن

8 - خرَّجت الأحاديث من مظانِّها من كتب الحديث ، وغريب الحديث .

9 - خرجت أقوال العرب من الأمثال ،وغيرها من مظانِّها ، فالأمثال من كتب الأمثال ،وقد أشرت إلى مضرب المثل ، وأقوال العرب من كتب النحاة ، والمعاجم اللغوية  

10ـ رجت الأبيات الشعرية من الشواهد وغيرها من دواوين أصحابها ما أمكن ، ثم من كتب النحو ، واللغة ومجاميع الشعر مشيراً إلى من نسب إليه البيت وما فيه من رواية غالباً.

11ـ خرَّجت النصوص من مظانِّها ،ووثَّقتُ الآراء النحوية المنسوبة من مصادرها الأصلية ، وعزوت ما لم يُنسب إلى أصحابه من كتبهم، أو من الكتب الذي نسبت ذلك إليه ،وقد بذلت في ذلك جهدي .

12ـ ترجمت للأعلام الواردة في النص بإيجاز ، واستثنيت بعض المشهورين منهم .

13ـ ذيَّلت الكتاب بالفهارس الفنية اللازمة . وأتبعت ذلك بفهرس المصادر والمراجع من المخطوط والمطبوع .

 ــــــــــــــــــ

(1)    انظر مقدمة المقتبس 33 – 53 .

(2)   في كشف الظنون 2/1776 " الخليل " بالخاء ،  و " الجليل " بالجيم جاء في نسختي المقتبس .

(3)   في هدية العارفين 5/715 " الأَسْفِيذَاري " ، وذكر ياقوت في معجم البلدان 1/214 ": أَسْفِيذَار" .

(4)   قال الإسفندري في باب النسب : " ألا ترى أنَّ إسفندرية اسم لقرية من أمهات قرى خوارزم ، وقولك : إسفندري للرجل المنسوب إليها .." المجلد الأول ق 203/ أ

(5) هذا ماجاء على صفحة العنوان من نسخة مكتبة جار الله ،وانظر في سنة وفاته كشف الظنون 2/1776 ، وهدية العارفين 5/715.

(6) انظر مقدمة الجزء الذي حققه د. سعد الرشيد من المقتبس 47-51 ، وقد تكرر ذكر هؤلاء الشيوخ في الجزء الذي حققته، ولم أحد مزيداً.

(7) انظر ترجمته وإفادة الإسفندري منه صفحة 9 ، 19 ، 51 من التحقيق .

(8) انظر مقدمة المقتبس صفحة 48.

(9) انظر صفحة 456 من التحقيق ، ولم أقف له على ترجمة .

(10) انظر مقدمة المقتبس صفحة 49.

(11) انظر إفادة الإسفندري منه صفحة 263 من التحقيق . ولم أقف له على ترجمة .

(12) انظر مقدمة المقتبس صفحة 50 ،وانظر ترجمته في البغية 1/537. .

(13) انظر مقدمة المقتبس صفحة 51.

(14) انظر صفحة 9 من ا لتحقيق ، ولا أعرف عنه شيئا .

(15) المقتبس 136 .

(16) المقتبس 145.           

 

الصفحة ( 1 ـ 2 )